محاكمة عبر الزمن.. المستشار محمد خلف في حضرة طه حسين

المستشار محمد خلف
المستشار محمد خلف


ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه في حينه، وفي رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعي من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا في أسئلتنا.

في حضرة القانون والأدب، يلتقي الفكر بالرصانة؛ وضيفنا اليوم قامة قضائية شامخة، تجمع بين دقة الميزان وبلاغة البيان، المستشار محمد خلف، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، يأخذنا في جولة فكرية بعيداً عن صخب المحاكم ومنصات القضاء، لنبحر معه في عقل أحد أعظم رموز الفكر العربي.

في هذا الحوار، لا يتحدث المستشار بلسان القانون فحسب، بل بقلب المثقف وشغف القارئ، ليحاور طه حسين، عميد الأدب العربي .. 

◄ بدأت معه بسؤالي المعتاد:

إذا عدت إلى التاريخ، من تختار أن تجلس معه على مائدة واحدة؟

أجاب سريعًا: عميد الأدب العربي طه حسين

​◄ لماذا طه حسين تحديدًا؟ وماذا يمثل لك الآن؟

لأنني أعتقد أن طه حسين معجزة بشرية لا تتكرر وهو يختلف عن كل أدباء ومفكري عصره بسبب فقد بصره وهو في الرابعة من عمره.

◄ ما السؤال الذي تحب أن توجهه له؟

في الحقيقة عدة أسئلة:

أود أن أسأله في البداية: كيف استطعت أن تصور لنا الدنيا وترينا الحياة وأنت لم ترها، كيف رأيت وأنت الكفيف ما لم نره نحن المبصرون؟ كيف وصفت الطبيعة بكل تفاصيلها الدقيقة والمشاعر الإنسانية المعقدة هذا الوصف المبهر؟   

وسأسئله أيضاً: هل ندمت على بعض أجزاء كتابك "في الشعر الجاهلي" التي أثارت ضجة حوله، ولذلك حذفتها فيما بعد وغيرت اسم الكتاب ليكون "الأدب الجاهلي"؟ 

◄ اقرأ أيضًا | طه حسين الذي لا نعرفه.. سامح الجباس يرمم ذاكرة عميد الأدب العربي

◄ وعن عالمنا اليوم ماذا ستسأله ؟

لقد اختصم القومُ فيك أشد الاختصام، وتفرقوا واختلفوا فيما قدمت للأمة أشد الاختلاف، فقد اعتبرك العلمانيون رائدهم ومرشدهم، الذي أنار طريق الأمة وبيّن لها طريق العقل وأزال منه عقبات النقل، بينما اعتبرك الكثير من الإسلاميين عدوهم الذي أضل الأمة وحاد بها عن الطريق المستقيم، حين حكّمَ العقل في النقل، وهؤلاء وأولئك قد أغفلوا كتاباتك الإسلامية الكثيرة المبهرة التي ألفت بين العقل والنقل واستخلصت الحقيقة العلمية منهما سليمة سائغة كما استنتجها التفكير المنطقي السليم، وأثبتها النص الديني الصحيح، كما أهملوا المسحة الدينية الأخلاقية التي شملت كل رواياتك وأغلب كتاباتك، وأيضا جهودك بشأن التصدي لموجة التنصير في مصر في عهد الاحتلال الإنجليزي، وكذلك التصدي للبهائية.. إنني أتذكر هنا قولك المأثور "ويل للذين يعلمون من الذين لا يعلمون".. فماذا تقول لهؤلاء وأولئك؟  

وسأقول له أيضاً: كنت في رواياتك الاجتماعية والرومانسية تميل إلى الحفاظ على قيم المجتمع وتقاليده، وتبرز عناصر الجمال فيه دون أن تهمل السلبيات، فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بوصف المرأة كنت تتجنب-بخلاف الكثير من الروائيين- وصف مواضع الإثارة في جسد المرأة ولقاء الرجل بالمرأة حين يجمعهما الحب، فهل كنت تتعمد ذلك حتى تملك فكر القارئ وقلبه وعقله وتبعد عنك غرائزه الدنيا، هل كنت تتعمد أن تكون كتابتك للحب والعاطفة متفقة مع التوجهات الأخلاقية والدينية؟ 

وسأخبره أننى كتبت عنه مقالا عنوانه "طه حسين.. عميدا للأدب الإسلامي" بينت فيه الصبغة الإسلامية لأدبك، سواء من حيث الموضوعات التي تناولتها أو أسلوب هذا التناول، فهل توافق على هذا العنوان؟  

ما قولك في هذا العصر الذي اختفت فيه فنون النثر تقريبا لصالح القصة والرواية، وأصبح معنى الأدب يشير فقط إلى الرواية والقصة القصيرة وأحيانا الشعر؟  

◄ أعطيك فرصة لتسأله سؤالًا واحدًا خارج السياق، صادمًا، إنسانيًا، أو أخلاقيًا؟

لقد فعلت فينا ما فعلت، وأحييت فينا ما أحييت، وأريتنا ما رأينا، وأنت الكفيف الذي لا يرى شيئا ولا يتحرك ولا يكتب ولا يفعل شيئا إلا بمُعين، فماذا عساك فاعلاً بنا لو كنت مبصراً مستغنياً عن المعونة؟! 

​◄ ماذا سيبقى معك بعد هذا اللقاء؟

بعد أكثر من خمسين عاما على رحيلك تبقى كتبك وأفكارك وسيرتك تنير طريقنا، وتهدينا إلى سواء السبيل، فلقد أنصفك التاريخ، وأنصفتك الدولة والمثقفون والعلماء. صحيح مازال كثير من العامة يجهلون قدرك لكن هذا بسبب تقصيرنا نحن المثقفين، فلم نؤد بعد الدين الذي علينا لك وللناس. 

شرح صورة : المستشار محمد خلف